ما هي صلاة الحاجة؟ كيف تصلي صلاة الحاجة بالتفصيل؟ وهل ثبتت مشروعيتها في السنة؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد, صلاة الحاجة من المواضيع التي كثر الحديث عنها بين الناس، لكنها في الحقيقة لم تثبت عن النبي ﷺ بالأحاديث الصحيحة، إذ إن جميع ما ورد فيها من روايات إما ضعيف أو موضوع كما بيّن ذلك أهل العلم. ولا شك أن المسلم قد يتعرض في حياته لمواقف يحتاج فيها إلى تفريج كرب أو قضاء حاجة، فيتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة، ولكن لا يُشرع تخصيص صلاة معينة باسم “صلاة الحاجة” اعتمادًا على تلك الأحاديث غير الثابتة. وفي المقابل، ثبت في السنة الصحيحة صلاة الاستخارة التي علّمها النبي ﷺ لأصحابه في أمورهم كلها، وهي السبيل المشروع للمسلم حين يقدم على أمر ويحتاج إلى توجيه من الله عز وجل.

هل ثبت عن النبي ﷺ صلاة مخصوصة تُسمى بصلاة الحاجة؟
ورد في سنن الترمذي وابن ماجه وغيرهما، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: “من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم؛ فليتوضأ فليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليُثْن على الله وليصل على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. زاد ابن ماجه في روايته: ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه يقدر.”
وزاد ابن ماجه في روايته: «ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه يقدر».
وقد أطلق بعض أهل العلم على هذه الكيفية اسم صلاة الحاجة. لكنهم اختلفوا في مشروعية العمل بهذا الحديث لاختلافهم في درجته:
- فطائفة من العلماء رأت أنه لا يُعمل به، لأن سنده لا يثبت، وفيه فائد بن عبد الرحمن الكوفي، وهو متروك الحديث عند المحدثين.
- بينما أجاز آخرون العمل به، مستندين إلى أمرين:
- أن للحديث شواهد وطرقًا تقوّيه، وأن فائدًا عند بعضهم يُكتب حديثه.
- أن الحديث ورد في باب فضائل الأعمال، وقد جرى عمل جمهور أهل العلم على التساهل في الأحاديث الضعيفة في هذا الباب، بشرط أن تندرج تحت أصل صحيح وألا تخالف ما هو أصح منها، وهو ما يرونه متحققًا في هذه الرواية.
كيف تصلي صلاة الحاجة بالتفصيل
يظن بعض الناس أن ما يُسمى صلاة الحاجة من النوافل المشروعة لقضاء الحوائج وتيسير الأمور، غير أن الحقيقة أن الأحاديث الواردة في بيان صفتها وأحكامها مختلف في صحتها بين أهل العلم، وأكثرها ضعيف أو موضوع لا تقوم به حجة. ومن هنا كان التنبيه واجبًا إلى أن الاعتماد إنما يكون على ما ثبت بالأدلة الصحيحة. ومع ذلك، فإن المسلم إذا أراد أن يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء عند نزول حاجته، فالأَولى أن يلتزم بما هو ثابت مقبول عند العلماء من الأدعية والصلوات المشروعة، وأهمها ما ثبت عن النبي ﷺ في صلاة الاستخارة وغيرها من النوافل المطلقة.
النية والطهارة
- النية: كما هو الحال في كل صلاة، يجب على المسلم أن ينوي بقلبه أداء صلاة الحاجة طلبًا لقضاء حاجته من الله تعالى. النية شرط أساسي في جميع عبادات المسلم.
- الوضوء: يجب أن يكون المسلم طاهرًا قبل أن يبدأ في الصلاة. يُستحب الوضوء قبل أداء الصلاة، إذ أن الطهارة من الأمور الأساسية التي تُشترط لصحة الصلاة.
عدد الركعات
- الركعات: اختلف العلماء في عدد ركعات صلاة الحاجة بناءً على الأحاديث الضعيفة التي وردت. في بعض الروايات، ورد أن صلاة الحاجة تكون اثني عشرة ركعة، بينما في أحاديث أخرى تُذكر أنها ركعتان فقط.
- الحديث الأول (الذي ذكر فيه الاثني عشرة ركعة): هذا الحديث ضعيف جدًا، وقد أشار العلماء إلى أنه موضوع، أي مكذوب. والحديث يقول: “اثنتا عشرة ركعة تصليهن من ليل أو نهار”، لكن هذا الحديث لا يمكن الاعتماد عليه.
- الحديث الثاني (الذي ذكر ركعتين): هو الحديث الأكثر قبولًا بين العلماء. في هذا الحديث، يُنصح المسلم بأن يصلي ركعتين فقط، وبعد أن يُنهي الصلاة يقوم بالدعاء كما سيُذكر لاحقًا.
كيفية الصلاة
- الركعة الأولى:
- بعد أن يتوضأ المسلم ويُخلص النية، يبدأ بالصلاة.
- في الركعة الأولى، يقرأ سورة الفاتحة ثم ما تيسر له من القرآن الكريم.
- الركعة الثانية:
- بعد السجود في الركعة الأولى، ينتقل إلى الركعة الثانية.
- في الركعة الثانية أيضًا يقرأ سورة الفاتحة وما تيسر من القرآن.
- التشهد:
- بعد إتمام الركعة الثانية، يقوم المسلم بالتشهد.
- إذا كان قد صلى ركعتين، يقوم بالتسليم.
الدعاء بعد الصلاة
بعد إتمام الصلاة، يُستحب أن يقوم المسلم بالدعاء بعد الصلاة، وهو الدعاء الذي ورد في الأحاديث. لكن نظرًا لأن الأحاديث الواردة ضعيفة أو موضوعة، يُفضل أن يدعو المسلم بما شاء من الأدعية المشروعة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أوقات صلاة الحاجة
أما عن أوقات صلاة الحاجة، فقد ذهب بعض الناس إلى استحباب أدائها في جوف الليل أو آخره، لما في هذا الوقت من فضلٍ عظيم واستجابةٍ للدعاء، إذ وردت النصوص الصحيحة في الحث على قيام الليل والدعاء فيه. ومع ذلك، لم يثبت في الشرع تخصيص وقت معين لما يُسمى بصلاة الحاجة، ولذلك يمكن أن يؤدي المسلم أي صلاة نافلة ويتوجه بعدها بالدعاء في أي وقت من النهار أو الليل، باستثناء الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
صلاة الحاجة وتأخر الإجابة
يجوز للمسلم والمسلمة إذا كانت لهما حاجة أن يصليا ركعتين ويدعوا الله تعالى بما شاءا من أمور الدنيا والآخرة، وقد اشتهرت هذه الصلاة بين العلماء باسم “صلاة الحاجة”، وقد سبق بيان كيفية ما ورد فيها. ولا حرج أن تكون الحاجة مرتبطة بالزواج أو غيره من أمور الحلال التي يطلبها المسلم، كما لا بأس بتكرار الدعاء واللجوء إلى الله فيها. غير أن على المسلم أن يتحلى بالصبر وألا يستعجل الإجابة، فقد يقضي الله الأمر سريعًا، وقد يؤخره لحكمة يعلمها، ومن ذلك أن يطيل العبد التضرع والدعاء، أو أن يدّخر الله له الخير في وقت آخر.
وتأخر الإجابة لا يعني ضعف الصلة بالله، فقد ذكر المفسرون أن قول الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: “قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ“ {يونس: 89}، جاء بعد أربعين سنة من دعائهما. والدعاء نفسه عبادة، كما في الحديث: «الدعاء هو العبادة» رواه الترمذي. وقال ﷺ: “ما من مسلِمٍ يَدعو ، ليسَ بإثمٍ و لا بِقطيعةِ رَحِمٍ إلَّا أَعطَاه إِحدَى ثلاثٍ : إمَّا أن يُعَجِّلَ لهُ دَعوَتَهُ ، و إمَّا أن يَدَّخِرَها لهُ في الآخرةِ ، و إمَّا أن يَدْفَعَ عنهُ من السُّوءِ مِثْلَها قال : إذًا نُكثِرَ ، قالَ : اللهُ أَكثَرُ.” الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الأدب المفرد الصفحة أو الرقم: 547 | خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أحمد (11133)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (710) واللفظ له، وأبو يعلى (1019).
كما قال ﷺ: “لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ للعبدِ ما لم يَدْعُ بإثمٍ أو قَطِيعةِ رَحِمٍ ، ما لم يَسْتَعْجِلْ ، يقولُ : قد دَعَوْتُ وقد دَعَوْتُ فلم يُسْتَجَبْ لي ، فيَسْتَحْسِرُ عند ذلك ، ويَدَعُ الدعاءَ.” الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 7705 | خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه البخاري (6340) مختصراً باختلاف يسير، ومسلم (2735) باختلاف يسير.
فعلى المسلم أن يثق بالله تعالى، ويستمر في دعائه، ولا يملّ من مناجاته، فهو سبحانه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
الخاتمة – ما هي صلاة الحاجة؟ كيف تصلي صلاة الحاجة بالتفصيل؟ وهل ثبتت مشروعيتها في السنة؟
ينبغي للمسلم أن يلتزم في عباداته بما صحّ وثبت عن رسول الله ﷺ، وألا يعمل بما لم يثبت من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، خصوصًا فيما يتعلق بالصلاة والعبادات. وما يُعرف بـ”صلاة الحاجة” لم يرد فيها حديث صحيح يُعتمد عليه، ولهذا فهي ليست من السنن المشروعة. والبديل المشروع الذي صحّت به الأحاديث هو صلاة الاستخارة التي علّمها النبي ﷺ لأصحابه في جميع شؤونهم، كبيرها وصغيرها، كما في حديث جابر رضي الله عنه قال: “كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ في الأُمُورِ كُلِّهَا كما يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ؛ يقولُ: إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِن غيرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُل: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بعِلْمِكَ، وأَسْتَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأَسْأَلُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيمِ؛ فإنَّكَ تَقْدِرُ ولَا أقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولَا أعْلَمُ، وأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذا الأمْرَ خَيْرٌ لي في دِينِي ومعاشِي وعَاقِبَةِ أمْرِي – أوْ قالَ: عَاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ – فَاقْدُرْهُ لي ويَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لي فِيهِ، وإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذا الأمْرَ شَرٌّ لي في دِينِي ومعاشِي وعَاقِبَةِ أمْرِي – أوْ قالَ: في عَاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ – فَاصْرِفْهُ عَنِّي واصْرِفْنِي عنْه، واقْدُرْ لي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أرْضِنِي قالَ: «وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ».” الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1162 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أبو داود (1538)، والترمذي (480)، وابن حبان (887) واللفظ لهم.
وصلاة الاستخارة تكون بركعتين من غير الفريضة، ثم يدعو المصلي بالدعاء المأثور الوارد في الحديث، طالبًا من الله عز وجل أن يقدّر له الخير حيث كان، وأن يرضيه به. فهي عبادة تجمع بين الصلاة والدعاء، وتفتح للمسلم باب التفويض والتوكل على الله في اختياراته وقراراته.
لذلك فالمسلم إذا همّ بأمر أو احتاج إلى قضاء حاجة، فليُكثر من الدعاء المشروع، وليتوجه إلى الله في صلواته وخاصة في السجود، وفي جوف الليل الآخر، وليستعن بصلاة الاستخارة، فإنها سنة ثابتة مباركة تغني عن كل ما لم يثبت من الصلوات المحدثة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.