فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمدٍ رسولِ الله ﷺ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين. من أعظمِ القُربات التي يتقرَّب بها العبدُ إلى ربِّه تلاوةُ كتاب الله تعالى وتدبُّرُ آياته، فقد جعل اللهُ في القرآن هدايةً ونورًا، وخصَّ بعضَ سُوَرِه وأوقاته بفضائلَ مخصوصةٍ، تفضُّلًا ورحمةً منه سبحانه. ومن ذلك ما ورد في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها، وهي السورة التي ارتبط ذكرها بالنور والسكينة والوقاية من الفتن، وعلى رأسها فتنة الدجال.
وفي هذا المقال نتناول فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة كما ورد في النصوص الشرعية، مستعرضين ما ثبت في القرآن والسنة، وما نُقل عن الصحابة والتابعين، وما أجمع عليه العلماء من أهل السنة والجماعة، مع بيان درجة الأحاديث الواردة فيها، التزامًا بالمنهج العلمي في توثيق الأخبار. ونسأل الله تعالى أن يجعل تلاوة القرآن لنا نورًا وهدايةً في الدنيا، ورفعةً وشفاعةً في الآخرة.

مكانة سورة الكهف في القرآن الكريم
قبل الحديث عن فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، يجدر بنا أن نتأمل مكانتها في القرآن الكريم، فهي من السور العظيمة التي تحمل بين آياتها عقيدةً، وتربيةً، وتذكيرًا بقدرة الله تعالى وحكمته. افتُتحت السورة بالحمدلة، كما افتُتحت بها سورٌ أخرى عظيمة، فيقول الله جلّ وعلا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ﴾ (الكهف: 1). وهي آية تؤكد كمال الوحي واعتداله واستقامته، وأنه تنزيلٌ من لدن حكيمٍ خبيرٍ على عبده ورسوله محمدٍ ﷺ.
سورة الكهف هي السورة الثامنة عشرة في ترتيب المصحف الشريف، وقد أجمع جمهور المفسرين على أنها سورة مكية كلّها أو أكثرها، نزلت في زمنٍ كانت فيه الدعوة تحتاج إلى تثبيتٍ وتربيةٍ وصبرٍ على الفتن. وتضم السورة قصصًا ربانيةً بديعةً، منها: قصة أصحاب الكهف الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدى، وقصة موسى والخضر التي تُظهر عِظم علم الله تعالى، وقصة ذي القرنين التي تُبرز العدل والقوة المقيدة بالإيمان. وكل قصةٍ من هذه القصص تحمل رسالةً في الثبات على الحق، والاعتماد على الله، والصبر على البلاء، والإيمان بأن عاقبة الأمر للمتقين.
ولعلّ هذا التنوع في مضامينها هو ما جعلها سورةً تستوقف القلوب وتدعو إلى التدبر، فهي تذكيرٌ متجددٌ للمؤمن بأن الحياة ابتلاءٌ، وأن النجاة فيه لا تكون إلا بالثبات على الإيمان. ومن هنا جاء استحباب قراءتها في وقتٍ مخصوصٍ كـيوم الجمعة، وهو يومٌ جعله الله عيدًا للمسلمين، فكانت قراءة سورةٍ تذكّر بالفتن وبالنجاة منها في هذا اليوم من باب تعظيم القرآن واغتنام بركته في وقتٍ فضيل.
الأحاديث الواردة في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وموقف العلماء
من الأبواب التي أولى العلماء لها عنايةً كبيرة بابُ فضائل السور، ومن ذلك ما ورد في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلتها. وقد جاءت في هذا الباب أحاديث عدة، منها ما هو صحيحٌ أو حسنٌ لغيره، ومنها ما هو ضعيفٌ تقوّاه بشواهده. فمن الأحاديث المشهورة في هذا الباب ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
“من قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ ، أضاء له من النورِ ما بين الجمُعتَينِ” الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 6470 | خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه البيهقي (6209) واللفظ له، وأخرجه الحاكم (3392) باختلاف يسير.
كما ورد عنه أيضًا رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
“من قرأ سورةَ الكهفِ يومَ الجمعةِ أضاء له النُّورُ ما بينَه و بين البيتِ العتيقِ.” الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 6471 | خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه البيهقي (6209).
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
“فِي الجُمُعَةِ ساعَةٌ، لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ قائِمٌ يُصَلِّي، فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إلَّا أعْطاهُ وقالَ بيَدِهِ، ووَضَعَ أُنْمُلَتَهُ علَى بَطْنِ الوُسْطَى والخِنْصِرِ، قُلْنا: يُزَهِّدُها.” الراوي : أبو هريرة المحدث : البخاري. المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم : 5294 التخريج : أخرجه البخاري (5294)، ومسلم (852).
قال البخاري في صحيحه: باب فضل سورة الكهف، ثم ذكر بسنده عن البراء بن عازب قال: “قَرَأَ رَجُلٌ الكَهْفَ وفي الدَّارِ الدَّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ -أوْ سَحَابَةٌ- غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَهُ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَ: اقْرَأْ فُلَانُ؛ فإنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ. أوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ.” الراوي : البراء بن عازب | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3614 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (3614)، ومسلم (795).
وفي صحيح مسلم: “مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ. [وفي رواية] قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف، كما قال هشام.“ الراوي : أبو الدرداء | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 809 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (809).
وقت وأفضل أوقات قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
عند الحديث عن فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، لا بد من بيان الوقت المستحب لقراءتها، إذ إن معرفة الزمن الذي تُقرأ فيه السورة يعين المسلم على اغتنام الفضل وإدراك الثواب.
اتفقت كلمة كثيرٍ من العلماء والهيئات الشرعية، على أن وقت قراءة سورة الكهف يبدأ من غروب شمس يوم الخميس وينتهي بغروب شمس يوم الجمعة. وهذا هو المراد بقولهم: يوم الجمعة وليلته، أي الليلة التي تسبقه مع يومه.
قال المناوي في (فيض القدير): “فيندب قراءتها يوم الجمعة، وكذا ليلتها كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه.” وفسّر العلماء ذلك بأن المقصود ليلة الجمعة ويومها معًا، فمن قرأها في أي وقت من هذا المدى فقد نال الأجر الوارد في فضلها. ولا توجد رواية صحيحة تحدد ساعةً بعينها أو لحظةً مخصوصةً للقراءة، لكن من قرأها كاملةً أو متفرقةً ضمن هذا الإطار الزمني فقد أدرك الفضل، وامتثل السنّة في معناها ومقصدها.
ومن النصائح العملية لتحقيق هذا السنّة:
- أن يبدأ المسلم قراءتها بعد صلاة المغرب ليلة الجمعة، فيقرأها في هدوءٍ وتدبّر.
- وإن لم يتيسر له ذلك، فليقرأها صباح الجمعة أو في أي وقتٍ من نهارها قبل غروب الشمس.
- يُستحب أن تكون القراءة في مكانٍ هادئٍ يبعث على الخشوع، ليجتمع فضل الزمان مع فضل التدبر.
فالمقصود في النهاية ليس مجرّد القراءة اللسانية، بل الارتباط بمعاني السورة ومقاصدها؛ فهي تذكيرٌ بالفتن، ودعوةٌ للثبات على الحق، وإشراقُ نورٍ بين الجمعتين لمن جعل القرآن رفيق قلبه ولسانه.
آثار وفضائل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة في حياة المسلم
حين نتحدث عن فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، لا نقف عند حدود النقل عن النصوص فحسب، بل نتأمل في آثارها الواقعية في قلب المسلم وسلوكه، وكيف تُثمر في حياته نورًا وطمأنينةً واتصالًا بالله تعالى.
من الأحاديث الصحيحة ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “من قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ ، أضاء له من النورِ ما بين الجمُعتَينِ.” الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع الصفحة أو الرقم: 6470 | خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه البيهقي (6209) واللفظ له، وأخرجه الحاكم (3392) باختلاف يسير.
إنَّ لتلاوةِ القرآنِ الكريمِ منزلةً رفيعةً وأجرًا واسعًا، وقد اختصَّ اللهُ تعالى بعضَ السُّوَرِ والآياتِ بمزيدِ الفضلِ والبركةِ فوق غيرها، ويتأكد هذا الفضلُ على وجهٍ أظهر حين تُقرأ في أوقاتٍ مخصوصةٍ شُرِّفت بذكرها. ومن ذلك قراءةُ سورةِ الكهفِ ليلةَ الجمعةِ أو في يومِها، كما جاء في الحديث؛ إذ يقول النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن قرأَ سورةَ الكهفِ يومَ الجمعةِ… أضاءَ له من النورِ ما بين الجمعتين».
وتقع قراءةُ السورةِ في نطاقِ الوقتِ الذي يبدأُ من غروبِ شمسِ يومِ الخميس ـ وهو ابتداءُ ليلةِ الجمعة ـ ويمتدُّ إلى غروبِ شمسِ يومِ الجمعة. ومعنى «النور» المذكورِ في الحديث أنه فَيضٌ من الله يُكرِمُ به قارئَها؛ فقد يكون نورًا يُلقى في قلبِه هدايةً وثباتًا، أو يُمنَحُ في بصرِه وبصيرتِه صفاءً وتوفيقًا، أو يظهر أثرُه في سائرِ أحوالِه وسلوكِه، فيُحسِّن قراراتِه ويُقوِّي اتجاهَه إلى الخير في “إدارة” أسبوعه وعبادته. وقد يُراد به أيضًا نورٌ يَصعدُ مع أعمالِه إلى السماءِ فتشهده الملائكة، أو يُدَّخرُ له نورًا في الآخرةِ يزدادُ به يومَ القيامةِ على غيره؛ فيكون رصيدًا معنويًّا مستمرًّا يمتدُّ أثرُه طوال الأسبوع من جمعةٍ إلى جمعة.
وفي هذا الحديثِ ترغيبٌ بيِّنٌ وحثٌّ مؤكدٌ على المواظبةِ على قراءةِ سورةِ الكهفِ في يومِ الجمعة وليلتِها، طلبًا لبركةِ الوقتِ ونماءِ الأثرِ الإيمانيِّ في النفس والعمل.
كما جاء في حديث آخر: “مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ. [وفي رواية] قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف، كما قال هشام.” الراوي : أبو الدرداء | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 809 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (809).
وفي هذا دلالة على أن هذه السورة تعلّم المؤمن كيف يتعامل مع الفتن، وكيف يحتمي بنور الوحي من تضليل الباطل وزيف الدنيا. فمن واظب على قراءتها، استقر في نفسه وعيٌ إيمانيٌّ يحميه من الانجراف وراء الفتن الفكرية والمادية، ويذكّره دومًا بأن النجاة في الاعتصام بالله تعالى.
أما من الناحية الروحية والاجتماعية، فإن الالتزام بقراءتها كل جمعة يرسّخ لدى المسلم عادةً أسبوعيةً من الذكر والتدبّر، تُعيد ترتيب سكينته الداخلية بعد ازدحام أيام العمل، وتربطه من جديد بالقرآن، مصدر الطمأنينة والاتزان. فالجمعة بهذا تصبح موعدًا للتغذية الروحية، لا مجرد عطلة أو يوم راحة.
وقد بيّن العلماء – ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله – أن الأحاديث الواردة في فضلها «منها الصحيح ومنها ما هو ضعيف يشد بعضه بعضًا»، وأن قراءتها يوم الجمعة عمل حسن يُرجى لصاحبه الأجر. فالأمر فيها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، لكنها تظل من الأعمال المباركة التي تجمع بين أجر القراءة وأثر التدبّر.
وهكذا، فإن فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة لا يُقاس فقط بما ورد في النصوص، بل بما تُحدثه في حياة المؤمن من نورٍ يملأ قلبه، وثباتٍ يحصّنه من الفتن، وسكينةٍ تمتد بين الجمعتين.
الخاتمة – فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وجعل فيه الهدى والنور، وجعل من قراءته حياةً للقلوب ونورًا للأبصار والبصائر. إنَّ فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة نعمةٌ عظيمة من نِعَم الله على عباده، فهي ليست عادةً تُؤدَّى ولا شعارًا يُتلى، بل هي عبادة تُجدِّد العهد مع القرآن الكريم، وتُعيد إلى القلب صفاءه، وإلى الروح سكينتها، وإلى المؤمن وعيه بأن النجاة في التمسك بكلام الله تعالى.
وسورة الكهف ليست مجرّد آياتٍ تُتلى، بل هي مدرسة في الثبات والإيمان واليقين، تُذكّرنا أن في هذا العالم فتنًا لا يُنجينا منها إلا نور الهداية، وأن من لزم القرآن عصمه الله من الانزلاق في دروب الباطل، كما قال النبي ﷺ: «مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ. [وفي رواية] قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف، كما قال هشام.» — رواه مسلم.
فيا من تطلب النور بين الجمعتين، لا تحرم نفسك من هذا النور، فإنها سورة الأمان من الفتن، وسورة السكينة للمؤمنين، ومن قرأها مستشعرًا معناها أضاء الله له طريقه، وحماه من الغفلة والزلل.
نسأل الله جلّ في علاه أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا، وأن يجعل لنا من سورة الكهف نورًا في قلوبنا، ونورًا في قبورنا، ونورًا نسعى به بين يديه يوم نلقاه. اللهم آمين، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله أعلم
